الأحد، 24 أغسطس 2008

إرهابي - - الكاتب : إبن تاشفين



الإرهابي..!




إنتصف النهار وبدأ المكتب وكأنه مقبرة فرعونية بها بعض الخدم وقد فرغوا من أعمالهم فجلس كل واحد على كرسيه يراقب هذا تارة ويمسك بالقلم تارة أخرى ليكتب بعض الجمل التي يظن أنها أبيات شعرية .. هذا هو الحال في مكتبي الذي يشاركني فيه ثلاثة موظفين .. دوام ممل .. ساعات عمل طويلة .. زملاء غير ودودين إطلاقاً .. حتى أنهم لم يتعرفوا الي جيداً وأنا زميلهم الجديد .. إلا بنظراتهم الساخرة أحياناً والفضولية أحياناً كثيرة .

في محاولة مني لكسر الحواجز .. تنحنحت قليلاً حتى يلتفت إلي أقرب شخص .. ونجحت الخطة فالتفت ببطء .. فبدأت بالسلام .. ثم سألته أن يعيرني الجريدة المرمية فوق مكتبه .. فأعطاني إياها ببرود شديد دون أن ينبس ببنت شفة .. إذاً الخطة لم تنجح .. فأنا لم أكن أرد الصحيفة في الأساس بل أردت أن أفتح باب النقاش والدردشة معه .. وفي محاولة يائسة أخيرة سألته والإبتسامة في فمي كالمهرج ينتظر تصفيق الجماهير .. سألته عن تاريخ الصحيفة .. وكان السؤال أسخف من إبتسامتي .. والجواب متوقع طبعا فمن يحتفظ بذكريات الأمس ..

ذكريات الأمس .. !!

ترددت هذه الكلمة كثيراً في ذهني وأنا أتناول الجريدة وأتظاهر بقراءتها .. فقد فتحت هذه الجملة خواطر وأفكار لاحصر لها في رأسي كنت قد نسيتها مع أشغال الدنيا ومغرياتها ..

تذكرت قضية العراق .. وتلك التساؤلات التي يطرحها مذيعو القنوات الفضائية عن مشروعية ماتقوم به حركات الجهاد .. أضاء مصباح في رأسي مبشراً بالإجابة .. فظهرت عبارة " من كانت يده بالماء ليس كمن كانت يده بالنار !" ..

قفز تفكيري ليس بعيداً ولكن إلى الجنوب قليلا .. إلى المملكة العربية السعودية .. هنا أرى المذيعين يبتسمون إبتسامة ساخرة بمعنى ليس هناك لا يدٌ بالماء ولا يدٌ بالنار .. هم محقون في هذا ولكن ما أدراني .. فلا أصدق أنه هناك من..

قطع مسلسل أفكاري أحد زملائي في المكتب وهو ذلك الذي يجلس على يساري .. الضخم الجثة .. الحاد النظرات .. بالنسبة لي على الأقل .. قطعني سائلاً وبصوت أجش :

- كم تاريخ اليوم يا أستاذ ؟

لم أجب سؤاله .. فقد دخلت في مسلسل أفكار جديدة .. فعن أي تاريخ يسألني .. عن تاريخ أمةً وكَّل أبناؤها أمرهم إلى قبب وأضرحة ؟ .. وأخرون ناموا ببطون مبعوجة .. أم يسألني عن ماهو أقدم من ذلك .. عن الناصر صلاح الدين مثلاً .. أم عن تاريخ مجدنا في العصر العباسي .. طبعاً أقصد بأمتي أمة الإسلام .. وليست تلك الأمة التي تجمعت داخل حدود وضعتها الأمم المتحدة .. وما أدراك ما الأمم المتحدة ..

قطعني مجدداً عن حبل افكاري بذلك الصوت الغريب الذي يقصد به أن يتنحنح .. فنظرت إليه نظرة حادة .. وأظنها مخيفة .. لأنه تحرك مباشرة دون أن يحتري جواباً لسؤاله .. بل إنه خرج من المكتب كله .. وبدا لي وكأنه مرعوباً .. لايهم .. لربما ظن أنني أعاني من مرض نفسي أو مجنون .. ولكن هذا لايدعوه إلى كل هذا الرعب .. إلا إذا ظن أني " إرهابي " .. بدت إبتسامة خبيثة من فمي مع تردد الكلمة الأخيرة في ذهني .. هذه هي (الموضة) هذه الأيام فكل من زاد عن عرضه وعن وطنه فهذا يقتضي أنه مجرم .. وإن كان مسلماً فيطلق عليه إسم إرهابي .. إزدادت الإبتسامة إتساعاً حتى لحظها زملائي .. وبدأت الكلمة تتردد بصوت عال في رأسي..فقط .. بصوت محبب إلى النفس رحت أسمعها .. ولأول مرة أستصغتها .. وزاد جمالها حين تذكرت قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم ..)الآية.

إذاً أنا إرهابي .. وعلى ضوء هذه المعطيات الجديدة أكملت يومي دون ملل ..


إبن تاشفين



ليست هناك تعليقات: