الجمعة، 4 يوليو 2008

الأحزاب ومفهوم الديموقراطية- - الكاتب : محمد جمال



الأحزاب ومفهوم الديموقراطية (1)

تعتمد الاحزاب السودانية على مفهوم للديمقراطية يلتقى مع ديمقراطية ويستمنستراى النموذج البريطانى . لذلك كانت اّلية صوت لكل شخص (one man one vote) تعتبر هى المضمون الحقيقى للديمقراطية حسب رؤية الاحزاب التقليدية لذلك تردد دائماّالقول : الاحتكام لصناديق الانتخابات ،حين يدور الصراع حول القضايا الاستراتيجية فى السودان مثل مشكلة الجنوب والتنمية ودور الدين فى الدولة .فهى تعلم أنها تملك أغلبية ميكانيكية من خلال سيطرتها على جماهير واسعة تقوم عليها طوائفها الدينية وتحالفاتها القبلية والعشائرية

فقد تمسكت الأحزاب الكبيرة بالديمقراطية الشكلانية التى اقتصرت على الجانب السياسى واستبعدت المضمون الاجتماعى-الاقتصادى او حتى الثقافى اى الذى يحقق الوحدة الوطنية بانصاف المجموعات الثقافية (الاثنية) غير العربية-اسلامية وقد تعرضت الديمقراطية السياسية الى تحدى القوى الحديثة بالذات النقابات والمثقفين ، فهم أقلية عددية ولكنهم يسيطرون من خلال قوة عملهم وتأثير ثقافتهم وفكرهم على اجهزة الدولة وعلى المجتمع المدنى . ولذلك انقسم السودان باستمرار خلال فترات الحكم البرلماني (الديمقراطى) الى مجموعتين تتنازعان حول الهيمنة : مجموعة تسيطر على الحكومة والسلطة السياسية ، مقابل مجموعة أخرى خارج البرلمان وخارج السلطة ولكنها ذات فعالية وديناميكية تهدد سلطة الدولة من خلال الاضرابات والمواكب والندوات والصحافة والتنظيم . وقد استطاعت القوى الحديثة مرات عديدة تهديد سلطة الحكومة ذات الاغلبية المطلقة داخل البرلمان ولكن لا تملك الشارع خاصة فى العاصمة والمدن الكبرى . وفى بعض الحالات كان حزب الامة يستجلب مؤيديه من الاقاليم البعيدة الى العاصمة لاستعراض قوته ولفض المظاهرات المعادية لحكومته وهذا ما اصطلح على تسميته الدكتاتورية البرلمانية او المدنية.

تسبب هذا الوضع غير المتوازن فى السياسة السودانية فى عدم الاستقرار الذى لازم التجارب البرلمانية والحزبية خلال اكثر من اربعين عاماّ . وقد انتهى الصراع اكثر من مرة الى الانقلاب العسكرى.

من المواقف التى تشكك فى ديمقراطية الاحزاب الكبيرة تعاملها مع الانقلابات العسكرية . فغالباّ ماتقف متفرجة دون مقاومة ولا تدافع عن شرعيتها الدستورية ، بل فى بعض الاحيان تسارع فى تأييد النظام الجديد وكأنها تؤمن على عجزها عن الحكم . فالانقلابيون غالباّ مايعلنون عن انفسهم كمخلصين او منقذين للوطن . ففى 17 نوفمبر 1958 بارك السيدان على الميرغنى وعبد الرحمن المهدى كراعيين لطائفتى الختمية والانصار الانقلاب بل ارسل بعض نواب البرلمان المحظور بيان تأييد سمى مذكرة كرام المواطنين . وفى انقلاب مايو 1969 حظى نميرى بتأييد اليسار الشيوعى والنقابات ، وهم الذين اسموا الانقلاب ثورة مايو الاشتراكية وشاركت الاحزاب فى الاتحاد الاشتراكى- الحزب الواحد- بعد المصالحة عام 1977 . اما الانقلاب الاخير يونيو 1989 فقد تبناه الاسلامويون والذين كان لهم 51 نائباّ فى الجمعية التاسيسية التى حظرها الانقلاب وكانوا يمثلون الكتلة البرلمانية الثالثة . كل هذه التطورات تبين مدى عمق الهوة بين الاحزاب والديمقراطية.

محمد جمال


ليست هناك تعليقات: